ابن الجوزي

172

بستان الواعظين ورياض السامعين

مسيرة ألف عام فاتحا فاه ، وأن شفته العليا ملتصقة بالعرش والسفلى تحت الثرى لو أذن اللّه تعالى له أن يضع شفته العليا على السفلى لأطبق ما بينهما في جوفه ، وأن للّه ملكا عنقه مثني تحت العرش ورجلاه قد جاوزتا رجلي هذين الملكين مسيرة ألف عام يخرج الريح من أنفه . لو أذن اللّه أن يتنفس لأدخل جميع ما خلق اللّه في السماوات والأرضين في أنفه سوى العرش ، وأن هؤلاء الملائكة الذين وصفت لك يكون خلقهم عند خلق غيرهم من الملائكة الذين فوقهم كجناح ذبابة عند الفيل ، وأن للّه ملكا باسطا كفه اليمنى منذ خلقه اللّه تعالى رافعا صوته بالتهليل والتسبيح والتقديس والتحميد لو أذن اللّه له أن يقبض كفه لقبض جميع الخلائق ما خلا العرش . فقال سليمان صلى اللّه عليه وسلم : يا ملك الموت أكفف عني فلقد وصفت أمرا أتخوف أن تطير روحي ولا تثبت نفسي ولا أطيق سماعه ، فكف ملك الموت ، فعندها قال سليمان عليه السلام : يا رب متى ألتقي مع الأحبة ، يا رب قد أحببت لقاءك والراحة من الدنيا . فهذا كان سبب موت سليمان عليه السلام . وأنشدوا : الموت مرّ والعيش همّ * فأي هذين لزم وقد تعجبت إذ هنا لي * عيش وعندي بالموت علم أنقل رجلي من كل دار * خوف المنايا والأرض سم والروح مستوفز بجسمي * له على الانتقال عزم فكأنكم واللّه بالموت قد فاجأكم وأزعجكم عن لذاتكم ، ونغص عليكم شهواتكم ، ونقلكم إلى بيوت الوحشة والضيق ، حيث لا ينفعكم حميم ولا صديق ، ولا أخ شقيق ، ولا والد شفيق . [ 292 ] نداء الموت روي عن سلمان الفارسي رضي اللّه عنه أنه قال : ما من يوم إلّا وملك الموت ينادي يا أهل الدنيا عجّلوا عجّلوا لأن أهل القبور محبوسون من أجلكم ، اتركوا ما جمعتم ، وخربوا ما بنيتم ، الويل لكم إن أدرككم الموت على هذه الحالة ، زينتم الدور ونسيتم القبور . اذكروا القبر ووحشته ، والموت وسكرته ، والصراط ودقته . والموت سكرة في سكرة ، وحيرة في حيرة وجذبة يا لها من